الأسلاك تحت الماء وصراعات القوة: كيف تشكل الكابلات البحرية ساحة المعركة الرقمية في منطقة الهندو-باسيفيك
طفرة في مشاريع الكابلات البحرية تحول بابوا غينيا الجديدة إلى حصن رقمي - وجبهة جديدة في التنافس بين الولايات المتحدة وأستراليا مع الصين.
على السطح، تتلألأ مياه الهندو-باسيفيك الفيروزية بهدوء. لكن في الأعماق، تدور معركة صامتة - ليست بالصواريخ أو السفن الحربية، بل بكابلات الألياف الضوئية التي تزحف عبر قاع المحيط. في منطقة يمكن لانقطاع الإنترنت فيها أن يشل الاقتصادات والاستجابات العسكرية، تزداد حدة السباق للسيطرة على شرايين الحياة الرقمية هذه. التحركات الأخيرة من قبل جوجل وأستراليا والولايات المتحدة في بابوا غينيا الجديدة تشير إلى مرحلة جديدة في هذا الصراع عالي المخاطر.
حقائق سريعة
- ستقوم جوجل ببناء ثلاثة كابلات بحرية جديدة عالية السعة في بابوا غينيا الجديدة، بتمويل من أستراليا.
- يربط المشروع البالغ قيمته 120 مليون دولار شمال وجنوب بابوا غينيا الجديدة وبوغانفيل، مما يعزز الصمود الرقمي.
- تأتي هذه التحديثات بعد انقطاعات مدمرة للكابلات تسببت بها الزلازل في عامي 2022 و2023.
- اتفاقية دفاعية بين الولايات المتحدة وبابوا غينيا الجديدة تمنح القوات الأمريكية وصولاً واسعاً إلى قواعد استراتيجية، لمواجهة النفوذ الصيني.
- تأتي هذه الجهود ضمن دفع غربي أوسع، يشمل اتفاقية أوكوس، لتأمين البنية التحتية الرقمية والعسكرية في الهندو-باسيفيك.
داخل سباق الكابلات: البنية التحتية كدرع جيوسياسي
شرايين بابوا غينيا الجديدة الرقمية على وشك الحصول على ترقية كبيرة. الكابلات البحرية المعلن عنها حديثاً، والممولة من أستراليا والمبنية من قبل جوجل، ليست مجرد تقدم تكنولوجي - بل هي درع استراتيجي. وصف وزير المعلومات والاتصالات المؤقت في بابوا غينيا الجديدة، بيتر تسياماليلي، المشروع بأنه "التزام مشترك" بالأمن الرقمي والاستقرار الإقليمي. لن تربط الكابلات أجزاء بابوا غينيا الجديدة النائية، بما في ذلك منطقة بوغانفيل ذاتية الحكم، فحسب، بل ستقلل أيضاً من اعتماد البلاد على اتصالات فردية معرضة للخطر. وهذا أمر بالغ الأهمية: فقد قطعت الزلازل مؤخراً شرايين الإنترنت في بابوا غينيا الجديدة مرتين، مما ترك المدن معزولة وأبرز الحاجة إلى التكرار والاحتياط.
لكن لماذا تتكفل أستراليا بالتكاليف؟ الجواب يكمن في الجغرافيا والأمن. تقع بابوا غينيا الجديدة شمال أستراليا مباشرة، عند تقاطع طرق الشحن والممرات الرقمية الحيوية في المحيط الهادئ. مع توقيع معاهدة بوكبوك - وهي معاهدة دفاع متبادل نادرة - عززت أستراليا دور بابوا غينيا الجديدة كحليف حيوي. تلزم المعاهدة كلا البلدين بمساعدة بعضهما البعض في حال وقوع عدوان، مما يعكس الشعور المتزايد بأن البنية التحتية الرقمية لا تقل أهمية عن أي قاعدة عسكرية.
أما الولايات المتحدة، فقد تحركت بحزم لتأمين مصالحها الخاصة. ففي عام 2023، وقعت واشنطن اتفاقية أمنية شاملة مع بابوا غينيا الجديدة، تمنح القوات الأمريكية وصولاً غير مسبوق إلى القواعد العسكرية ومخازن المعدات وحتى مناطق بناء حصرية. الخلفية غير المعلنة: التوسع السريع للصين في الهندو-باسيفيك، والمخاوف الغربية من أن بكين قد تستغل مشاريع البنية التحتية للحصول على موطئ قدم استراتيجي. الولايات المتحدة وأستراليا وشريكتهما في أوكوس، المملكة المتحدة، يبنون الآن منطقة عازلة رقمية وعسكرية لإبقاء الصين بعيدة - والكابلات البحرية في قلب هذه الاستراتيجية.
الخلاصة: الجبهة الجديدة رقمية
بينما تتنافس القوى العظمى في العالم على النفوذ في الهندو-باسيفيك، أصبحت خطوط المعركة غير مرئية بشكل متزايد - مرسومة بالألياف الضوئية بدلاً من الأسلاك الشائكة. كابلات بابوا غينيا الجديدة الجديدة ليست مجرد قفزة تكنولوجية؛ بل هي طلقة تحذيرية في سباق تسلح رقمي سيشكل مستقبل المنطقة. في الصراع من أجل الأمن والسيادة والاتصال، أصبح قاع المحيط هو الجبهة الأحدث - وربما الأكثر حسماً.
ويكيكروك
- الكابل البحري: الكابلات البحرية هي حزم سميكة من الألياف الضوئية توضع على قاع المحيط، وتنقل معظم حركة الإنترنت والبيانات بين القارات.
- التكرار (Redundancy): التكرار يعني وجود أنظمة احتياطية جاهزة لتولي العمل إذا فشل النظام الرئيسي، مما يضمن استمرار التشغيل ويقلل من الانقطاعات.
- معاهدة الدفاع المتبادل: معاهدة الدفاع المتبادل هي اتفاقية تتعهد فيها الدول بالدفاع العسكري عن بعضها البعض إذا تعرض أي عضو لهجوم.
- موطئ قدم استراتيجي: موطئ القدم الاستراتيجي هو موقع مميز يحققه المهاجمون في شبكة ما، مما يمكنهم من تنفيذ عمليات إضافية والاستمرار وربما التصعيد.
- أوكوس (AUKUS): أوكوس هي شراكة دفاعية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، تعزز الأمن والتكنولوجيا والتعاون السيبراني في منطقة الهندو-باسيفيك.