خلف الجدار الناري: كيف يعيد قمع روسيا لتطبيق واتساب رسم خريطة العالم الرقمي
العنوان الفرعي: مع تشديد روسيا للرقابة على واتساب، يغذي السعي نحو الأمن السيبراني الوطني عصراً جديداً من العزلة الرقمية.
في الساعات الأولى من صباح الثاني والعشرين من ديسمبر، استيقظ مستخدمو واتساب في روسيا على واقع جديد مقلق: أخطاء في الاتصال، رسائل لم يتم إرسالها، وصمت مفاجئ من أحد أشهر تطبيقات المراسلة في العالم. بالنسبة للملايين، لم يكن هذا الانقطاع مجرد إزعاج بل كان لمحة عن مستقبل إنترنت مجزأ ومعزول، حيث تصبح الحدود الرقمية واقعية مثل الحدود الجغرافية.
ليست مقاربة روسيا فريدة من نوعها، لكن حجمها لافت للنظر. مدفوعة بمخاوف تتعلق بالأمن القومي، تدفع دول حول العالم نحو تطوير البرمجيات والأجهزة محلياً - أدوات تُبنى داخل حدودها وتحت سيطرتها. وبينما قد يعزز ذلك الصناعات التقنية المحلية ويوفر رقابة أشد، إلا أنه يأتي بثمن باهظ: خطر انقسام الإنترنت، حيث تحل الشكوك والعزلة الرقمية محل التعاون والابتكار.
حملة الحكومة الروسية ضد واتساب، المملوك لشركة ميتا، تستند إلى مزاعم بأن التطبيق يُستخدم لتنظيم أعمال إرهابية، وتجنيد متطرفين، وارتكاب عمليات احتيال. واستناداً إلى انتهاكات متكررة للقانون الروسي، بدأت "روسكومنادزور" في تطبيق قيود تدريجية، مع تحذيرات رسمية بأن الحظر الكامل قد يُفرض إذا لم يتم الامتثال. وتتمثل استراتيجية الهيئة في التضييق التدريجي على الوصول إلى واتساب لدفع المستخدمين نحو البدائل المعتمدة من الدولة.
كان التأثير فورياً وواسع النطاق. أظهرت بيانات خدمة المراقبة SBOY.RF ارتفاعاً في تقارير الانقطاع، خاصة في أكبر المدن الروسية. واجه المستخدمون صعوبة في إرسال الرسائل، وأصبحت نسخ واتساب على الويب أو سطح المكتب غير متاحة إلى حد كبير. بالنسبة للبعض، بقي التطبيق على الهاتف المحمول فقط - وأحياناً عبر VPN - يعمل، مما يبرز مدى استعداد المواطنين لبذل الجهد للبقاء على اتصال رغم القيود المتزايدة.
لكن التداعيات تتجاوز تطبيقاً واحداً. من خلال إقامة "جدران رقمية"، تنضم روسيا إلى حركة متنامية نحو السيادة الرقمية - عالم تبني فيه كل دولة حصنها التكنولوجي الخاص. وبينما يرى المؤيدون أن ذلك يضمن الأمن والاستقلالية، يحذر المنتقدون من أنه قد يخنق الابتكار، ويعمق الانقسامات العالمية، ويقوض جوهر الإنترنت كمساحة مشتركة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية، يتم استبدال حلم شبكة عالمية مفتوحة بفسيفساء من الإنترنتات الوطنية، لكل منها قواعدها ومخاطرها وواقعها الخاص.
ومع تشديد روسيا قبضتها على الاتصالات الرقمية، يراقب العالم تجربة صارخة تتكشف: هل يمكن تحقيق الأمن دون التضحية بالانفتاح؟ أم أن السعي للسيطرة سيحول الحدود الرقمية إلى خطوط مواجهة جديدة في الصراع العالمي؟
ويكيكروك
- السيادة الرقمية: السيادة الرقمية هي قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية وبياناتها وحمايتها من التهديدات الخارجية، بما يضمن الاستقلالية والأمن.
- روسكومنادزور: روسكومنادزور هي الهيئة الحكومية الروسية المسؤولة عن الإشراف على الإعلام والاتصالات ومحتوى الإنترنت وتنظيمه وفرض الرقابة عليه.
- VPN (الشبكة الافتراضية الخاصة): تقوم الشبكة الافتراضية الخاصة بتشفير اتصالك بالإنترنت وإخفاء عنوان IP الخاص بك، مما يوفر خصوصية وأماناً إضافيين عند التصفح أو استخدام شبكات الواي فاي العامة.
- انقطاع الخدمة: انقطاع الخدمة هو فترة يكون فيها نظام أو خدمة غير متاحة أو لا تعمل بشكل صحيح، مما يعيق العمليات المعتادة للمستخدمين أو المؤسسات.
- تطبيق المراسلة: تطبيق المراسلة يتيح للمستخدمين إرسال رسائل نصية أو صوتية أو وسائط متعددة بشكل آمن عبر الإنترنت، وغالباً ما يتضمن خيارات التشفير والدردشة الجماعية.