تحت الأمواج: هل أعطال كابلات بحر البلطيق حوادث أم أعمال حرب؟
العنوان الفرعي: تصاعد حوادث الكابلات البحرية في بحر البلطيق يثير القلق بشأن التخريب، والخطأ البشري، والمعركة الخفية للسيطرة تحت مياه أوروبا.
كان ذلك بعد منتصف الليل بقليل حين صعدت الشرطة اللاتفية إلى متن سفينة أجنبية راسية في لييبايا، بحثًا عن إجابات للغز يهيمن على البلطيق: من - أو ما الذي - يقطع شرايين الحياة الرقمية المخفية تحت البحر؟ ومع وقوع ستة حوادث لكابلات بحرية خلال أيام معدودة، قفزت التكهنات من أعطال روتينية إلى شبح تخريب سري، فيما تسارع دول الناتو ودول البلطيق لتأمين بنيتها التحتية الحيوية، ويراقب العالم بحثًا عن مؤشرات على حرب هجينة في الفناء الخلفي لأوروبا.
حقائق سريعة
- وقعت ستة أعطال في كابلات بحرية في بحر البلطيق منذ أوائل يناير، منهيةً قرابة عام من الهدوء النسبي.
- صعدت السلطات في لاتفيا وفنلندا إلى سفن وحققت معها للاشتباه بتورطها، لكن لم تظهر حتى الآن أدلة مباشرة على التخريب.
- رفعت الحكومات الغربية وحلف الناتو مستوى التأهب، خشية تدخل روسي ضمن حملة حرب هجينة.
- يعزو بعض مسؤولي الاستخبارات والخبراء الحوادث إلى زيادة حركة الملاحة، وقلة خبرة الطواقم، وسوء الأحوال الجوية.
- تجعل مياه بحر البلطيق الضحلة وشبكته الكثيفة من الكابلات تحت البحر المنطقة شديدة الهشاشة أمام الحوادث والهجمات المتعمدة على حد سواء.
توترات تحت البحر: حادث أم هجوم؟
تبدأ القصة بتمزق مفاجئ: ففي 2 يناير، أفادت السلطات اللاتفية بتضرر كابل ألياف ضوئية حيوي يمر عبر مياهها الإقليمية. وكان ذلك الحادث السادس خلال أيام، ما أثار قلق دول البلطيق وحلفائها في الناتو. ورغم تفتيش سفينة راسية في لييبايا بسرعة واستجواب طاقمها، لم يعثر المحققون على صلة مباشرة بقطع الكابل. ومع ذلك، لا يزال التحقيق مفتوحًا، مع رفض السلطات استبعاد فرضية «الضرر المتعمد».
إلى الشمال، اعترضت قوات خاصة فنلندية السفينة «فيتبورغ»، التي اشتُبه بأن طاقمها متعدد الجنسيات ألحق أضرارًا بكابلات تربط إستونيا بفنلندا. وكانت «فيتبورغ» قد أبحرت من روسيا باتجاه إسرائيل، وقد غذّى وجودها في المنطقة الشكوك وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية. وفي الوقت نفسه، أبلغت إستونيا عن مشكلات تقنية إضافية في كابلات تربطها بالسويد وبجزيرة هييوما.
ما الذي يقف وراء هذه الموجة المفاجئة من الأعطال؟ تتباين النظريات بحدة. يشير بعض المسؤولين الغربيين إلى روسيا، معتبرين أن تخريب الكابلات ينسجم مع نمط أوسع من الحرب الهجينة - عمليات سرية تهدف إلى زعزعة استقرار الدول دون صراع مفتوح. والتوقيت لافت: إذ تنهي هذه الحوادث فترة هدوء أعقبت إطلاق الناتو في عام 2025 لعملية «حارس البلطيق»، وهي مهمة لتعزيز أمن ما تحت البحر.
لكن ليس الجميع مقتنعًا بوجود فعل متعمد. يقترح أندريس فوسمان، نائب رئيس الاستخبارات الإستونية السابق، أن الواقع قد يكون أكثر اعتيادية: ارتفاع حجم حركة الشحن (خصوصًا باتجاه روسيا)، وسفن متقادمة بطواقم قليلة الخبرة، واتساع شبكة الكابلات تحت البحر باستمرار - كل ذلك جعل المنطقة أكثر عرضة للحوادث. ويضيف أن العواصف الأخيرة والمياه الضحلة تزيدان أيضًا من خطر الأضرار غير المقصودة، وقد قلّل بعض المسؤولين من احتمال وقوع هجمات متعمدة.
ومع ذلك، فإن غياب الإجابات الواضحة يبقي الأعصاب مشدودة. فمع حمل الكابلات تحت البحر لمعظم اتصالات أوروبا وبياناتها المالية، يمكن حتى لتلميح بالهشاشة أن يتحول إلى سلاح بحد ذاته، يؤجج القلق وانعدام الثقة.
الخلاصة
تكشف الموجة الأخيرة من حوادث الكابلات البحرية في بحر البلطيق عن التوازن الهش في المنطقة بين الحادث والعدوان. وسواء كانت هذه الانقطاعات نتيجة خطأ بشري، أو طقس قاسٍ، أو تخريب سري، فثمة أمر واحد واضح: تحت السطح، تدور حرب ظل، ولم تكن المخاطر على شرايين أوروبا الرقمية أعلى مما هي عليه الآن.
WIKICROOK
- كابل بحري: الكابلات البحرية حزم سميكة من الألياف الضوئية تُمد على قاع المحيط، وتنقل معظم حركة الإنترنت والبيانات في العالم بين القارات.
- الحرب الهجينة: تمزج الحرب الهجينة بين التكتيكات العسكرية والسيبرانية والمعلوماتية لزعزعة الخصوم، بما يتيح للدول أو الجماعات إحداث اضطراب دون صراع مباشر.
- الألياف: الألياف هي إنترنت عالي السرعة يُنقل عبر كابلات زجاجية رفيعة باستخدام إشارات ضوئية، ما يتيح اتصالات سريعة وموثوقة وآمنة عبر مسافات طويلة.
- الناتو: الناتو تحالف عسكري يضم دولًا أوروبية وأمريكية شمالية، كما ينسق الدفاع السيبراني وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين أعضائه.
- المياه الإقليمية: المياه الإقليمية هي مناطق بحرية قرب سواحل دولة ما تقع ضمن ولايتها القضائية، ما يؤثر في القضايا القانونية والسيبرانية المتعلقة بالبنية التحتية البحرية والبيانات.