خطوط حمراء أم فرص ذهبية؟ الرهان الأوروبي على الذكاء الاصطناعي الصيني
العنوان الفرعي: بينما تقتحم نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية المسرح العالمي، تواجه الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة خيارًا محفوفًا بالتوتر بين المخاطر والمكاسب.
في مجمّع مكاتب هادئ خارج ميلانو، تُجري مديرة شركة نسيج متوسطة الحجم تجربة جريئة. فبدلًا من دفع مبالغ طائلة مقابل أدوات الذكاء الاصطناعي الأمريكية الباهظة، تختبر «ديب سيك» - نموذج ذكاء اصطناعي صيني متقدم يعد بقوة وادي السيليكون بجزء بسيط من التكلفة. رهانها ليس استثناءً. في أنحاء أوروبا، توازن الشركات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) بين تبنّي الذكاء الاصطناعي الصيني وبين التحذيرات المتزايدة من صقور الأمن وصنّاع السياسات. ما الذي يدفع هذه الموجة، وهل يمكن أن تعيد تشكيل المستقبل الرقمي لأوروبا؟
الانقسام المتعمّق: فرصة أم حصان طروادة؟
يمثل وصول «ديب سيك»، وهو نموذج ذكاء اصطناعي رائد طُوّر في هانغتشو، نقطة تحوّل في سباق التكنولوجيا العالمي. لم تعد الشركات الناشئة الصينية مجرد مقلّدين؛ فهي تنتج الآن أنظمة ذكاء اصطناعي تضاهي منافسيها الأمريكيين أو تتفوق عليهم - مع خفض التكاليف. وبالنسبة للشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة، التي غالبًا ما تُقصى بسبب أسعار الحلول الأمريكية المتميزة، تبدو الجاذبية واضحة: الوصول إلى ذكاء اصطناعي قوي دون استنزاف الميزانية.
لكن الرهانات أعلى من أي وقت مضى. يحذّر المتشككون من أن دمج الذكاء الاصطناعي الصيني قد يعرّض بيانات الأعمال الحساسة والبيانات الشخصية لبكين، بما يقوّض السيادة الرقمية الأوروبية. ويطارد شبح السيارات الكهربائية الصينية - التي باتت تهيمن على الأسواق الأوروبية وتضغط على صانعي السيارات التقليديين - صنّاع القرار في الاتحاد الأوروبي، الذين يخشون تكرار السيناريو نفسه في مجال الذكاء الاصطناعي.
ثلاثة أسباب تُغري الشركات الصغيرة والمتوسطة
- ميزة اقتصادية: غالبًا ما تكون نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مجانية أو أرخص بكثير من البدائل الأمريكية، ما يفتح الباب أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة لاعتماد تقنيات متقدمة كانت سابقًا خارج المتناول.
- أفضلية المصدر المفتوح: على عكس نهج «الصندوق الأسود» لدى كثير من الشركات الأمريكية، تتجه العروض الصينية للذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى تبنّي المعايير المفتوحة. وهذا يعني أن الشركات الأوروبية تستطيع تخصيص ذكائها الاصطناعي واستضافته والتحكم به محليًا - ما يقلّل الارتهان للمورّد ويمنح الأعمال استقلالية أكبر على بياناتها.
- تحوّط جيوسياسي: مع تقلب العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يرى بعضهم في الذكاء الاصطناعي الصيني بوليصة تأمين استراتيجية. فإذا قيّدت واشنطن يومًا ما وصول أوروبا إلى التكنولوجيا الأمريكية، فإن وجود بدائل جاهزة قد يكون حاسمًا لاستمرارية الأعمال.
معضلة الأمن
على الرغم من هذه المزايا، فإن مخاطر الأمن حقيقية. فقد تحركت السلطات الأوروبية في البداية لتقييد الوصول إلى «ديب سيك» ونماذج مشابهة، مستندة إلى مخاوف من إمكانية سحب بيانات حساسة إلى الصين. ورغم أن بعض هذه القيود خفّ، فإن القلق لا يزال قائمًا - خصوصًا مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى العمود الفقري للتجارة والبنية التحتية الحيوية.
وتزداد الأمور تعقيدًا لأن أوروبا لا تزال تعتمد بشدة على العتاد المصنّع في الولايات المتحدة (ولا سيما شرائح Nvidia) لتشغيل الذكاء الاصطناعي المتقدم، ما يجعل السيادة الرقمية الحقيقية بعيدة المنال. وفي الوقت نفسه، تدفع المفوضية الأوروبية نحو إزالة العوائق أمام اعتماد الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، مراهنةً على أن المرونة والشفافية يمكن أن تعوّضا بعض مواطن الضعف الجيوسياسية.
نظرة إلى الأمام: بين الحذر والتنافسية
من غير المرجح أن تتفوق أوروبا على الولايات المتحدة أو الصين في ابتكار نماذج ذكاء اصطناعي رائدة عالميًا. لكنها تملك فرصة حقيقية لقيادة الاعتماد العملي واسع النطاق للذكاء الاصطناعي - خصوصًا في صناعات مثل التصنيع، حيث تتميز بالفعل. إن تبنّي ذكاء اصطناعي مفتوح وقابل للتكيّف (بما في ذلك النماذج الصينية) قد يسرّع الابتكار ويحافظ على تنافسية الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة في عالم يندفع نحو الرقمنة.
ومع ذلك، قد يكون الخطر الأكبر هو الإفراط في الحذر. فإذا أدارت أوروبا ظهرها لأدوات ذكاء اصطناعي ميسورة وقابلة للتخصيص، فقد تتأخر في سباق التسلح التكنولوجي العالمي - مستبدلةً شكلًا من الاعتماد بآخر. وستختبر السنوات المقبلة ما إذا كانت البراغماتية الأوروبية أم الحمائية ستنتصر في هذه اللعبة عالية المخاطر.
ويكي كروك
- مفتوح: تعني «مفتوح» أن البرمجيات أو الشفرة متاحة للعامة، ما يتيح لأي شخص الوصول إليها أو تعديلها أو استخدامها - بما في ذلك لأغراض خبيثة.
- الارتهان للمورّد: يحدث الارتهان للمورّد عندما يصبح تغيير المزوّدين صعبًا أو مكلفًا بسبب التكنولوجيا المملوكة، أو الصيغ الحصرية، أو العقود المقيّدة.
- الذكاء الاصطناعي التوليدي: الذكاء الاصطناعي التوليدي هو ذكاء اصطناعي ينشئ محتوى جديدًا - مثل النصوص أو الصور أو الصوت - وغالبًا ما يحاكي الإبداع والأسلوب البشريين.
- السيادة الرقمية: السيادة الرقمية هي قدرة الدولة على التحكم في بنيتها التحتية الرقمية وبياناتها وحمايتها من التهديدات الخارجية، بما يضمن الاستقلالية والأمن.
- البنية التحتية الحيوية: تشمل البنية التحتية الحيوية الأنظمة الأساسية - مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية - التي قد يؤدي فشلها إلى تعطيل المجتمع أو الاقتصاد بشكل خطير.